المسعى هو طريق أو شارع شرق المسجد الحرام ، يحده الصفا جنوبًا والمروة شمالاً . والصفا والمروة جبلان بين بطحاء مكة والمسجد . كذا في لسان العرب .

وقد أَمرنا الله سبحانه وتعالى عند أداء نسك الحج أو العمرة بالسعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط بادئين بالصفا ، فمن الصفا إلى المروة شوط ، ومن المروة إلى الصفا شوط آخر ، وهكذا سبعة أشواط منتهين بالمروة . يقول تعالى :


سورة البقرة الآية 158

والسـعي بين الصفا والمروة أمر تعبدي لا نقاش في علته ولا في مـشروعيته ، ولكن بعضًا من حكمته قد تظهر لمن تدبر أصول التشريع ، وربما كان من حكمة السعي أن نتذكر به علو إيمان هاجر عليها السلام ، فيسمو إيماننا بالله ، وذلك عندما تركها زوجُها أبو الأنبياء إبراهيم مع ابنها إسماعيل عليهما السلام بواد لا زرع فيه ولا ماء ، فقالت له : آلله أمرك بهذا؟ قال : نعم . قالت : إذًا لا يضيعنا .

روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : « ... ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه ، حتى وضعهما عند البيت ، عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد ، وليس بمكة يومئذ أحد ، وليس بها ماء ، فوضعهما هنالك ، ووضع عندهما جرابا فيه تمر ، وسقاء فيه ماء ، ثم قفَّى إبراهيم منطلقًا ، فتبعته أم إسماعيل ، فقالت : يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء ؟ فقالت له ذلك مرارًا ، وجعل لا يلتفت إليها ، فقالت له : آلله الذي أمرك بهذا ؟ قال : نعم . قالت : إذًا لا يضيعنا ، ثم رجعت ، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه ، استقبل بوجهه البيت ، ثم دعا بهؤلاء الكلمات ، ورفع يديه فقال :


سورة إبراهيم الآية 37

وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل ، وتشرب من ذلك الماء ، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى ، أو قال : يتلبط ، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه ، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها ، فقامت عليه ، ثم استقبلت الوادي تنظر ، هل ترى أحدًا ، فلم تر أحدًا ، فهبطت من الصفا ، حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ، ثم سعت سعي الإنسان المجهود ، حتى جاوزت الوادي ، ثم أتت المروة، فقامت عليها ، ونظرت هل ترى أحدًا ، فلم تر أحدًا ، ففعلت ذلك سبع مرات ، قال ابن عباس : قال النبي صلى الله عليه وسلم : فذلك سعي الناس بينهما ».


تعريف الصفا في اللغة :

قال الجوهري في الصحاح : « الصَّفاءُ ممدودٌ: خلاف الكدَر. يقال: صَفا الشراب يَصفو صَفاءً، وصَفَّيْتُهُ أنا تَصْفِيَةً. وصَفْوَةُ الشيءِ: خالصُه. أبو عبيدة: يقال: له صَفْوَةُ مالي، وصُفْوَةُ مالي، وصِفْوَةُ مالي.

فإذا نزعوا الهاء قالوا: له صَفْوُ مالي بالفتح لا غير. وصَفَوْتُ القِدْرَ، أي أخذت صَفْوَتَها. والصَّفاةُ:

صخرة ملساء؛ يقال في المثل: ما تَنْدى صَفاتُهُ، والجمع صَفًا مقصورٌ، وأصْفاءٌ، وصُفيٌّ على فَعولٍ.

والصَّفْوةُ: الحجارة اللَّيِّنة المُلْس. وقال امرؤ القيس: كما زَلَّتِ الصَّفْواءُ بالمُتَنَزَّلِ ».



وقال الخليل بن أحمد في العين : « والصَّفَا: حَجَرٌ صُلْبٌ أملَسُ، فاذا نَعَتَّ الصخرةَ قُلتَ: صَفاة وصَفْواء، والتذكير: صفًا وصَفْوانٌ، واحده صَفْوانةٌ، وهي حجارةٌ مُلْسٌ لا تُنبِتُ شيئًا ».

وصْف الصفا :

قال النووي: « ... مكان مرتفع عند باب المسجد الحرام ، وهو أنف ، أي : قطعة من جبل أبي قبيس » . وقال إبراهيم رفعت باشا : « في أصل جبل أبي قبيس جنوبي المسجد الحرام على مقربة من بابه المسمى باب الصفا ».

وقال الزبيدي : « (والصفا من مشاعر مكة) شرفها الله تعالى ، وهو جبل صغير (بِلِحْفِ) جبل (أبي قُبيس) ... (وابتنيتُ على متنه دارًا فيحاء) ...» اهـ كلام صاحب القاموس مع شرحه للزبيدي .

ومعنى اللِّحْف « اللام والحاء والفاء أصل يدل على اشتمالٍ وملازمة . يقال : التحف باللحاف ، يلتحف ، ولاحفه : لازمه ...».

ولهذا الاشتمال يقال : « جبل أبي قبيس الذي فيه الصفا» . وقال الفاسي «والصفا من جبل أبي قبيس على ما قال العلماء ، وهو بأسفله » .

وقال الفاسي أيضًا : « ... هو في أصل جبل أبي قبيس على ما ذكره غير واحد من العلماء ، ومنهم :

أبو عبيد البكري ، والنووي ، وهو موضع مرتفع من جبل له درج ، وفيه ثلاثة عقود ، والدرج من أعلى العقود وأسفلها ، والدرج الذي يصعد من الأولى إلى الثانية منهن بثلاث درجات وسطها ، وتحت العقود درجة ، وتحتها فرشة كبيرة ، ويليها ثلاث درجات ، ثم فرشة مثل الفرشة السابقة تتصل بالأرض ، وربما أهيل التراب عليها فغيب ».



وقال ياقوت : « الصفا ... العريض من الحجارة الملس ...».

وقال الطاهر بن عاشور : « والصفا والمروة اسمان لجُبَيْلَيْنِ متقابلين ، فأما الصفا : فهو رأس نهاية جبل أبي قبيس ...».

ولهذا القرب الشديد يذكر الرحالة : « أن من أراد الطلوع إلى جبل أبي قبيس فإنه يطلع من درج على الصفا إليه : « وأبو قبيس مطل على المسجد يصعد إليه من الصفا في درج » . ومثله في رحلة التجيبي ، حيث قال عندما تكلم عن أبي قبيس: « وفي أصله هو الصفا ومن عليه صعدنا إليه ».

ووصَف إبراهيم رفعت باشا الصفا ، فقال : « الصفا الذي هو مبدأ السعي في أصل جبل أبي قبيس جنوبي المسجد الحرام على مقربة من بابه المسمى باب الصفا ، وهو مكان شبيه بالمصلى طوله ستة أمتار وعرضه ثلاثة أمتار ، مرتفع عن الأرض بنحو مترين ، يصعد إليه بأربع درجات ، وفي جنوبي هذا المكان -أي وراءه- أربع درجات أخرى صاعدة، أقيم عليها ثلاثة عقود في صف واحد من الشرق إلى الغرب ، وبعد هذه الدرجات الخلفية أصل جبل أبي قبيس ، وحول الصفا جدار يحيط به ، ما عدا الجهة الشمالية التي منها المرتقى ».

تعريف المروة في اللغة :

« المَرْوة حجر أَبيض بَرَّاق وقيل : هي التي يُقْدَح منها النار ».

« المَرْوَة ، وهي حجارةُ النّارِ السُّمْرُ التي يُقتَدح بها، وربَّما سمِّيت الحجارة الرِّقاق البِيض التي تَبرُق في الشمس مَرْوًا. والمَروةُ المعروفة بمكّة. قال الراجز في حجارة النار: والمرُو ذا القَدَّاحِ مضبوحَ الفِلَقْ ».

« المَرْوة حجر أَبيض بَرَّاق ، وقيل : هي التي يُقْدَح منها النار ».

وصْف المروة :

قال ابن دريد : « ومَرْوَةُ المَسْعَى التي تُذكرُ مع الصَّفا وهي أَحد رأْسَيْه اللذَيْنِ ينتهِي السعيُ إِليهما ».

وقال الأزهري عن المروة : « جبيل صغير بالقرب من الكعبة يسعى الحاج بينه وبين جبل آخر اسمه الصفا».

وفي تهذيب اللغة : « وتكون المروة مثل جُمع الإنسان وأعظم وأصغر».

وقال الفاسي : « المروة الموضع الذي هو منتهى السعي ، وهو في أصل جبل قعيقعان على ما قال أبو عبيد البكري، وقال النووي : إنها أنف من جبل قعيقعان» . ثم قال : « ... وأما المروة فلاطية جدًا ، أي : منخفضة ...» وفي التحرير والتنوير : « وأما المروة فرأس هو منتهى جبل قعيقعان ...» وفي معجم البلدان : «جبل بمكة يعطف على الصفا ... وهي أكمة لطيفة ».

قال إبراهيم رفعت باشا : « والمروة في الشمال الشرقي للمسجد الحرام ، وهي منتهى المسعى من أصل جبل قعيقعان ، وهي محل مرتفع كالصفا ، يصعد إليها بخمس درجات فقط ، بعدها مصطبة طولها أربعة أمتار في عرض مترين ، بعدها مصطبة أخرى عرضها متر واحد ملاصقة لجدار المروة الشمالي ، إذ حولها ثلاث جدر في شماليها وشرقيها وغربيها ، والدور من وراء ذلك ، ومن دون الدرجات الخمس عقد شاهق من الجدار إلى الجدار ، وهو بعيد عن مبدأ الدرج من أسفل بنحو مترين .

والشارع الذي بين الصفا والمروة هو المسعى » انتهى .

المسعى قبل العهد السعودي :

ظل المسعى على مدى ثلاثة عشر قرنًا ونصف القرن التراب فراشه والسماء سقفه . وكان الذي يريد السعي يرقى على الصفا حتى يرى البيت ، ويستقبل القبلة ، ويدعو الله عز وجل ، ثم يسعى ذاهبًا إلى المروة ، وفي طريقه بعد الصفا بقليل ، يلقى واديًا فتنصب قدماه في الوادي مهرولاً حتى يتجاوزه ، ثم يستمر في سعيه إلى المروة ، فإذا وصل المروة يرقى عليها حتى يرى البيت، ويدعو الله عز وجل ، وهذا العمل هو ما فعله المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأمرنا به عند حجِّه ، وذلك بقوله صلى الله عليه وسلم : «خذوا عني مناسككم» رواه مسلم .

وفي خلافة أبي جعفر المنصور قام عامله على مكة عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس بإنشاء اثنتي عشرة درجة على الصفا ، وخمس عشرة درجة على المروة؛ وذلك لتسهيل الصعود عليهما .

روى الأزرقي عن جده قال : « كان الصفا والمروة يسند فيهما من سعى بينهما ، ولم يكن فيهما بناء ولا درج ، حتى كان عبد الصمد بن علي في خلافة أبي جعفر المنصور ، فبنى درجهما التي هي اليوم درجهما ، فكان أول من أحدث بناءها ، ثم كُحِّل بعد ذلك بالنورة في زمن مبارك الطبري في خلافة المأمون ».

يقول الكردي : « ولقد أُصلح درج الصفا وجدد غير مرة ، ثم إنه في سنة اثنتين وثمانمائة جدد فرج بن برقوق درجهما ، وفي سنة ست وتسعين ومائتين وألف جدَّدهما السلطان عبد الحميد الثاني أحد سلاطين آل عثمان ».

ويصف ابن بطوطة (ت779هـ) المسعى عندما قام برحلته للحج عام 725هـ ، فيقول : «وبين الصفا والمروة مسيل فيه سوق عظيمة ، يباع فيها الحبوب واللحم والتمر والسمن وسواها من الفواكه ، والساعون بين الصفا والمروة لا يكادون يخلصون لازدحام الناس على حوانيت الباعة ، وليس بمكة سوق منتظمة سوى هذه إلا البزازون والعطارون عند باب شيبة ، وبين الصفا والمروة دار العباس رضي الله عنه ، وهي الآن رباط يقطنه المجاورون ، عمَّره الملك الناصر رحمه الله ، وبنى أيضًا دار وضوء فيما بين الصفا والمروة سنة ثمان وعشرين ، وجعل لها بابين أحدهما في السوق المذكور والآخر في العطارين ».

ويصف الفاسي (ت832هـ) الصفا والمروة في عهده فيقول : « الصفا هو مبدأ السعي ، وهو في أصل جبل أبي قبيس على ما ذكره غير واحد من العلماء ، ومنهم أبو عبيد البكري والنووي ، وهو موضع مرتفع من جبل له درج وفيه ثلاثة عقود والدرج من أعلى العقود وأسفلها ».

وقال : « المروة الموضع الذي هو منتهى السعي ، وهو في أصل جبل قعيقعان على ما قال أبو عبيد البكري ، وقال النووي : إنها أنف من جبل قعيقعان ».

وقد ذكر الفاسي عن الأزرقي : أن درج الصفا اثنتا عشرة درجة .

وذكر عن ابن جبير : أن درج الصفا أربع عشرة درجة .

وذكر عن ابن بطوطة لما حج سنة سبعمائة وخمسة وعشرين : أن درج الصفا أربع عشرة ، علياهن كأنها مصطبة ، وأن للمروة خمس درجات ، وعليها عقد ، قال : وهي ذات قوس واحد كبير.

وذكر عن النووي : أن درج الصفا إحدى عشرة درجة .

ثم قال : وسبب هذا الاختلاف أن الدرج يعلو عليها التراب ، فيخفيها .

وقال : وما أظن النووي شاهد ذلك من عدد الدرج التي للصفا ، وإنما قلد في ذلك الأزرقي أو غيره من المصنفين ؛ لأنه يبعد أن تعلو الأرض من عهد النووي إلى اليوم علوًا يغيب من الدرج الذي بالصفا القدر الذي وجدناه مدفونًا . انتهى كلام الفاسي.

وقال إبراهيم رفعت باشا ملخِصًا ما ذكره الفاسي في كتابه شفاء الغرام عن وصف الصفا والمروة : « الصفا موضع مرتفع من جبل له درج، وفيه ثلاثة عقود، والدرج من أعلى العقود وأسفلها ، وبعض الدرج الذي أسفل العقود مدفون ، وذلك ثمان درجات ، ثم فرشة (مصطبة) مثل بعض الفرشات الظاهرة التي أمام العقود ، ثم درجتان ، وما عدا ذلك ظاهر للعيون ، وهو درجة أسفل العقود ، ثم فرشة كبيرة ، ثم ثلاث درجات ، ثم فرشة كبيرة هي السفلى الملاصقة للأرض ، وربما علا التراب على هذه ، وما ذكرناه من الدرج المدفون شاهدناه بعد حفرنا عنه في شوال سنة 804هـ» اهـ.


العقود الثلاثة المقامة على الصفا


العقد المقام على جبل المروة


وقال الفاسي : « وقد بُني على الصفا والمروة أبنية حتى سترتهما ، بحيث لا يظهر منهما شيء غير يسير في الصفا ، قال : والمروة أيضًا في وجهها عقد كبير مشرف ، والظاهر أنه جعل علمًا لحد المروة ، وإلا كان وضعه ذلك عبثًا . وقد تواتر كونه حدًّا بنقل الخلف عن السلف ، وتطابق الناسكون عليه ، فينبغي للساعي أن يمر تحته ، ويرقى على البنيان المرتفع عن الأرض » انتهى .

قال الكردي : « سبب بناء العقدين بعد عهد أبي جعفر المنصور هو معرفة حد الصفا وحد المروة ، فلا يتكلف الساعي الرقي لما بعدهما من الدرج» انتهى.

وقال حسين با سلامة : « لم أقف على السَّنَة التي أنشئ فيها هذا العقد ، ولا اسم الذي أنشأه في كتب التاريخ ، ثم راجعت كثيرًا من كتب الفقه والمناسك والتاريخ العام والخاص بمكة طمعًا في الوصول إلى ذلك ، فلم أجد بها خبرًا عن ذلك ، والذي يظهر لي أن عمارته كانت من ضمن عمارة أبي جعفر المنصور العباسي » اهـ.

وتعقب الكرديُّ با سلامةَ في هذا الاستنتاج فقال : « لم نقف على من بنى العقد الذي بالصفا والعقد الذي بالمروة ، والظاهر والله أعلم أن العقدين بالصفا وبالمروة بنيا لأول مرة بعد بناء عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن العباس - عامل مكة من قبل أبي جعفر المنصور- درج الصفا ودرج المروة ، وليس كما يظن الشيخ حسين با سلامة – رحمه الله تعالى – أن الذي بناهما هو باني الدرج عبد الصمد بن علي المذكور ، قبل سنة مائة وثمان وخمسين من الهجرة ، فلو كان الأمر كذلك لذكرهما الأزرقي في تاريخه ، عندما ذكر بناء عبد الصمد بن علي درج الصفا والمروة » اهـ.

وفي عام 1341هـ في عهد الملك الشريف الحسين تم عمل مظلة لشارع المسعى تقي الساعين من حر الظهيرة :

يقول عن ذلك المؤرخ با سلامة : « لم يفكر أحد من الخلفاء والملوك ولا أمراء مكة وولاتها ، ولا غيرهم من أغنياء المسلمين من أهل اليسار في عمل مظلة تقي المطوفين من حر الظهيرة وضربة الشمس ، مع أنه لم يكن ذلك من الأمور البعيدة عن التصور ، أو المتعذرة الوقوع . وهذا مما يجعل كل مفكر في استغراب عظيم ، ومن واجب الإنصاف أن نؤدي لكل ذي حق حقه ، وذلك أن أول من فكر في عمل مظلة على شارع المسعى وعملها فعلا هو الملك الشريف الحسين بن علي بن محمد بن عبد المعين بن عون ، وذلك أنه في سنة 1339هـ أمر بعمل مظلة على شارع المسعى ، وعهد بعملها إلى الشيخ عبد الوهاب قزاز ، فقام المذكور بعملها ، فكان قوائمها من أساطين الحديد ، وسقفها من الخشب على شكل (جملون) مصفح بالتوتوه (الزنك) وقد استفاد من ظلها عموم المطوفين بين الصفا والمروة ، وكان ابتداؤها من باب العباس ، وانتهاؤها إلى المروة ».

غير أن محمد طاهر كردي ذكر أن عمل المظلة هذه كان سنة 1341هـ ، فقال: « لم يسبق قط أن جعل للمسعى سقف (أي مظلة) يقي الساعين لفح الشمس وحرارة الجو ، إلا في سنة 1341هـ ألف وثلاثمائة وإحدى وأربعين من الهجرة ، فقد أمر صاحب الجلالة الشريف حسين بن علي بن محمد بن عون ملك الحجاز رحمه الله تعالى ، بعمل سقيفة للمسعى ، لحفظ الساعين من حرارة الشمس، فشرعوا في عملها ، وتم إنشاؤها في شهر شوال من السنة المذكورة ، فكانت السقيفة تمتد من باب العباس إلى المروة ، أما من الباب المذكور إلى الصفا فإنه لم يسقف ؛ لقصر المسافة وجمال المنظر ، وكان مكتوبًا على السعي جملة أبيات لبعض الشعراء . ولقد مدح بعض الشعراء الشريف الحسين بن علي رحمه الله تعالى في تسقيفه للمسعى، فمما قال سعادة الشيخ محمد صالح القزاز مدير مكتب مشروع التوسعتين بمكة المكرمة والمدينة المنورة حاليًا في عهد حكومتنا السنية :


لسيد العرب مولى المجد مفخرة أضحى بها فضله للخلق منشـورا

هو الحسـين الذي أمست مآثره عظمى وأصبح فيها الخير مسطورا

أقام للمشعر الأســنى مظلته حتى غدا كل من يبغيه مســـرورا

بهمة السـند القزاز من فخرت به العلا وغدا بالمجد مشــــهورا

فيا مليكا أعز الله محتـــــــده دم في ســرور بسيف الله منصورا

واهنأ ببشــــر وإقبال يؤرخه من سعد حكمك صار السعي مشكورا


ويعني القائل (بهمة السند القزاز) أي ابن عمه الشيخ عبد الوهاب القزاز رحمه الله تعالى الذي أشرف على العمل المذكور.

وقد كتبت هذه الأبيات بالأحرف البارزة الكبيرة على لوحة وعلقت في أعلى السقيفة من جهة المروة على العمل المذكور.


المسعى وقد ظهرت به دكاكين الباعة وعليه المظلة


المسعى في العهد السعودي الزاهر :
فرش المسعى وتبليطه :

يقول محمد طاهر كردي :

« إذا نظرنا إلى الوراء – يعني إلى زمان سيدنا إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام – نجد أن ما بين الصفا والمروة ، أي بطن الوادي كان نازلاً عميقًا على حسب الطبيعة قبل أن تمتد الأيدي لإصلاح ما بينهما ، ثم لا بد أن ترتفع الأرض قليلاً إلى زمان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، لا من فعل البشر ، وإنما بفعل الطبيعة ، وذلك بنزول الأمطار ومجيء السيول التي تسبب نزول الصخور والأحجار من فوق الجبال ، والأتربة والرمال من الطريق ، فترتفع الأرض عما كانت عليه من قبل شيئًا فشيئًا . جاء في تاريخ الأزرقي عن جابر بن عبد الله يحدث عن حجة النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ثم نزل عن الصفا حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى ، حتى إذا أصعد من الشق الآخر مشى . اهـ وفي تاريخ الأزرقي أيضًا عند الكلام على زيادة المهدي الأخيرة : وإنما يسلك من المسجد الحرام إلى الصفا في بطن الوادي ، ثم يسلك في زقاق ضيق حتى يخرج إلى الصفا من التفاف البيوت ، فيما بين الوادي والصفا . اهـ .

ويقول ابن حجر في حاشيته على إيضاح النووي نقلاً عن الرضي بن خليل المكي : إن الوادي كان نازلاً حتى إن الشخص كان يصعد درجًا كثيرة ليرى البيت الحرام ، بل قيل : إن الفرسان كانت تمر في المسعى والرماح قائمة فلا يرى من بالمسجد إلا رؤوسها . اهـ .

فالظاهر مما تقدم ، والله تعالى أعلم أن أرض المسعى كان فيها منعرجات ومنحدرات ونزول وطلوع ، ولا شك أن ذلك مما لا يريح الساعين ، لكن الأجر على قدر المشقة .

ولم نر من تكلم عن تسوية أرض المسعى وتعبيده ، والذي نذهب إليه والله تعالى أعلم أن أول ما بدئ بإصلاح أرض المسعى وتسويتها كان في زمن أمير المؤمنين محمد المهدي الذي زاد في المسجد الحرام من جميع جهاته زيادة كبيرة ، والذي كان يقف بنفسه على أعمال المهندسين والشغالين ... وقد دخل في هذه التوسعة جزء من المسعى إلى المسجد الحرام ، ومن مستلزمات هذه العمارة الواسعة تسوية أرض المسعى ، وردم بعض المنخفضات بالأتربة والحجارات المتبقية والمتخلفة عن هذه العمارة .

ثم ما زال الحكام يصلحون أرض المسعى كلما حصلت مناسبة لذلك ، فقد أصلح أيضًا في عهد المأمون في حدود سنة اثنتين ومائتين ، وكذلك في عهد جعفر المتوكل على الله ، فقد أمرت أمُّهُ بعزق وادي مكة جميعه ، وكذلك في عهد السلطان قايتباي ، وذلك حينما حصل التعدي على جزء من أرض المسعى من قبل بعض أتباعه إلى غير ذلك مما لا نتمكن من تتبعه ، فإصلاح أرض المسعى وتسويتها وارتفاعها كان شيئًا فشيئًا ، إلى أن وصلت إلى حالتها الحاضرة ».

فلما تولى الحكم الملك عبد العزيز آل سعود - رحمه الله - أمر بتبليط المسعى بالحجارة المربعة ، فقال في ذلك محمد طاهر كردي : « أما فرش المسعى وتبليطه من الصفا إلى المروة بالحجارة المربعة ، وبناؤها بالنُّورة فقد كان في سنة 1345هـ ألف وثلاثمائة وخمس وأربعين من الهجرة .

فقد أمر جلالة الملك عبد العزيز المذكور بفرشها من أولها إلى آخرها بالحجارة ، منعًا لإثارة الغبار ، فشرعوا برصف المسعى ، وانتهوا من ذلك في أواخر ذي القعدة من السنة المذكورة ، وهذه أول مرة يفرش فيها المسعى بالحجارة، وكان قبل ذلك ترابًا يثور الغبار منه بسبب الساعين ، فاستراح الناس ، وسهل السعي بعد رصفه وتبليطه ، فجزى الله الملك عبد العزيز مؤسس الدولة السعودية خير الجزاء».



صورة تبين المسعى وأرضه مفروشة بالبلاط


ويُفَصِّل القول في هذا العمل الجليل المؤرخ باسلامة ، فيقول عن فرش المسعى وتبليطه : « فلما كان سنة 1345هـ أمر جلالة ملك المملكة العربية السعودية الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل السعود خلد الله ملكه بفرش شارع المسعى من الصفا إلى المروة ، فتشكلت لذلك هيئة بأمانة العاصمة المقدسة في رئاسة أمين العاصمة السابق عبد الوهاب بن أحمد نائب الحرم الذي هو الآن أحد أعضاء مجلس الشورى ، ومعاونه السابق حضرة الشيخ محمد سرور الصبان الذي هو الآن مدير إدارة المالية ، وتشكلت الهيئة من مندوب جلالة الملك المعظم الشيخ عبد الله السليمان وزير المالية الحالي وبعض أعضاء مجلس الشورى ، وأفراد من أعيان البلاد ممن لهم خبرة ودراية بالفن المعماري ، وأمين العاصمة ومعاونه وبعض أعضاء الأمانة ومهندس الأمانة ومعاونه ، وكنت ممن حضر ذلك الاجتماع بصفتي أحد أعضاء مجلس الشورى في ذلك العام أيضًا ، وتقرر في ذلك الاجتماع بأن يكون فرش شارع المسعى بالحجر الصوان المربع ، وأن يبنى بالنُّورة ، ويكون الصرف ابتداء من صندوق أمانة العاصمة مؤقتًا ثم يسدد من المالية العمومية ، فابتدأ العمل أولاً بهدم عموم النواتئ التي على ضفتي شارع المسعى من مبتداه إلى منتهاه ، فلما تم إزالة تلك النواتئ ابتدأ العمل بالرصف من الصفا ، وعمل لذلك احتفال عظيم حضره صاحب السمو الملكي النائب العام الأمير فيصل بن عبد العزيز المعظم حفظه الله تعالى ، ووضع حجر الأساس بيده الشريفة ، وتلا الدعاء الشيخ محمد عبد الظاهر أبو السمح خطيب وإمام المسجد الحرام لحضرة صاحب الجلالة الملك عبد العزيز المعظم بدوام النصر والظفر والتوفيق له ، ثم استمر العمل بهمة عالية ، وكان القائم بصرف أجر العمال معاون أمين العاصمة الشيخ محمد سرور الصبان، وكان انتهاء رصف شارع المسعى في أواخر ذي القعدة من سنة 1345هـ ، فصار بعد ذلك الشارع في غاية الاستقامة وحسن المنظر ، وصار المتطوفون بين الصفا والمروة يؤدون نسكهم بكمال الراحة والسلامة من وحل الشارع والغبار وما في معنى ذلك ... فكان هذا الشارع هو أول شارع رصف بمكة المكرمة على الإطلاق ، وأول مرة رصف فيها شارع المسعى من الصفا إلى المروة منذ فرض الله تعالى على المسلمين الحج ، بل منذ سكن الحجاز ».

تجديد مظلات شارع المسعى :

لقد مر بنا أن أول من قام بعمل مظلة تقي الساعين لفح الشمس هو الملك الشريف الحسين بن علي بن محمد بن عبد المعين بن عون ، وذلك في سنة 1341هـ. وفي سنة 1366هـ تم تجديد هذه المظلة على يد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمه الله ، يقول محمد طاهر كردي مؤرخًا لهذا العمل : « في سنة 1366هـ أمر صاحب الجلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمه الله ملك المملكة العربية السعودية بتجديد سقيفة المسعى بصفة فنية محكمة ، فتم عملها في السنة المذكورة ، فكانت ممتدة بطول المسعى من الصفا إلى المروة ، ما عدا الجزء الذي يبلغ طوله ثمانية أمتار، والذي يقع في باب علي فإنه لم يسقف ؛ لأنه ميدان متسع وبقاؤه بغير سقف أجمل وأحسن ، ويبلغ عرض السقيفة كلها عشرون مترًا ونصف متر .



المظلة التي قام بتجديدها الملك عبد العزيز رحمه الله وعليها اسم الملك عبد العزيز رحمه الله


وقد كتب على هذه المظلة (أي السقف) بخط حسن جميل ، وبحروف بارزة من النحاس الجيد السميك مثبت في لوح من الصاج الثخين طولها أربعة أمتار وعرضها متر واحد وأربعون سنتيمترًا، في أربعة أسطر ما يأتي : ( أنشئت هذه المظلة في عهد حضرة الجلالة محيي مجد العرب والمسلمين خادم الحرمين الشريفين الملك المعظم عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود ملك المملكة العربية السعودية ، وقد تم إنشاؤها في عام ألف وثلاثمائة وستة وستين من الهجرة أثابه الله وأدام توفيقه)».

وقبل البدء في التوسعة السعودية التي تمت عام 1375هـ تم تفكيك هذه المظلة ، وأعيد تركيبها في شارع المدعى والجودرية ، وظلت حتى عام 1422هـ ، ثم أزيلت تمامًا.

مشروع بناء المسعى :


شارع المسعى قديمًا وقد ضاق على الحجاج والمعتمرين


ولما رأى الملك عبد العزيز رحمه الله ضيقًا شديدًا على المصلين والحجاج الذين كثر ورودهم عامًا بعد عام ، أمر بإجراء الدراسات ، ووضع التصاميم لتوسعة المسجد الحرام والمسجد النبوي ، فوضعت التصميمات أولاً للمسجد النبوي الشريف ، وشرع في بنائه ، وبدئ في وضع التصاميم الأولى لتوسعة المسجد الحرام، وتمت التصاميم في أوائل عام 1375هـ بعد وفاته في عهد الملك سعود رحمه الله .

وتولى أمر المملكة العربية السعودية الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود رحمه الله في عام 1373هـ عازمًا على تنفيذ أمر والده الملك عبد العزيز رحمه الله في توسعة المسجد الحرام بادئًا بمشروع بناء المسعى.

ففي اليوم الخامس من المحرم عام 1375هـ أعلن رسميًا بأنه قد صدر الأمر بأن تنتقل جميع الآلات والمعدات التي استخدمت في مشروع المسجد النبوي إلى مكة المكرمة للشروع فورًا في مشروع توسعة المسجد الحرام .


صورة لأعمال الهدم الأولية في المرحلة الأولى من مشروع المسعى


وفي اليوم الرابع من ربيع الثاني عام 1375هـ بوشرت أعمال التوسعة وتحويل الطريق في وقت واحد ، وبدأت الأعمال في منطقتي أجياد والمسعى ، فأزيل ما كان بهما من كابلات الكهرباء وأسلاك التلفونات ومواسير المياه والمجاري ، ثم بدئ في هدم ما كان قائمًا في المنطقتين من البيوت والدكاكين اللازمة في المرحلة الأولى للتوسعة وتحويل الطريق العام ، فتم ذلك بسرعة كما تم نقل الأنقاض إلى خارج مكة ، ثم جاء دور الحفر ، فحفرت أساسات الجدار الخارجي للمسعى ، وبدئ بالناحية الشرقية من جانب الصفا ، فشملت القسم الأكبر من المسعى ومن الناحية الجنوبية من جانب الصفا الغربي إلى ما يقابل باب أم هانئ في منطقة أجياد . وانتهت المرحلة التمهيدية في أوائل شعبان سنة 1375هـ .

وشهد يوم الخميس 23 شعبان 1375هـ احتفالاً أقيم أمام باب أم هانئ من أبواب الحرم الشريف لوضع الحجر الأساسي في توسعة المسجد الحرام حضره جلالة الملك المعظم ، وعدد من كبار رجال الدولة وأعيان البلاد ووجهائها وكثير من مندوبي الدول الإسلامية ، وقام بوضع الحجر الأساسي ، وكان وضع الحجر الأساسي إيذانًا بابتداء مراحل البناء ، فشرع في صب قواعد الأسمنت التي أقيم عليها جدار التوسعة الخارجي في الناحيتين الجنوبية والشرقية بمنطقتي أجياد والمسعى ، ولم ينقض شهر ذي القعدة من العام المذكور حتى تم تحويل القسم الأكبر من الطريق القديم إلى الطريق الجديد ، وقد سمي شارع الملك سعود ، وهو من تقابل موضع الحجر الأساسي خارج حدود التوسعة مارًا خلف الصفا والقشاشية من سفح جبل أبي قبيس إلى أن يلتقي بالطريق القديم عند سوق الليل بمنطقة غزة .

وبذلك انقطع المرور من المسعى فتمكن الحجاج ولأول مرة منذ مئات السنين من السعي بين الصفا والمروة في موسم العام 1375هـ وهم في اطمئنان وخشوع لا يزعجهم أو يضايقهم مرور السيارات أو غيرها مما كان يحدث في الماضي . وبذلك يكون قد انتهت المرحلة التمهيدية بانتهاء عام 1376هـ .

وبدأت في أوائل العام 1377هـ المرحلة الأولى وهي مرحلة البناء والتأسيس لما يليها من مراحل ، وفيها تم من الأعمال ما يلي :

تم فتح القسم الباقي من الطريق الجديد شارع الملك سعود الذي يبتدئ مما كان معروفًا بزقاق البخارية من جهة أجياد وينتهي عند السوق الصغير أمام زقاق الجنائز بعد هدم المباني اللازمة ، وقد حولت إليه حركة مرور السيارات .

تم هدم ما بقي بجانبي المسعى من بيوت ودكاكين لبناء المسعى كما تم هدم ما خلفها من الناحية الشرقية إلى المروة من مساكن وأسواق لشق الطريق الجديد الذي يبتدئ من جانب الصفا إلى المروة ، ثم يستمر في مروره خلفها حتى يتصل بالقرارة وشارع الشامية .

تم تحويل مجرى السيل حيث كان الطريق القديم الذي كان يخترق المسعى ويمر من أمام الحرم مجرى السيل أيضًا ، وكثيرًا ما كانت المياه تقتحم أبواب المسجد الحرام ، فتغمر أرضه بالمياه والأتربة التي يجلبها السيل لذلك ، فقد كان مما عني به مكتب المشروع تحويل مجرى السيل إلى مجرى خاص ، يبتدئ من تحت رصيف الجانب الجنوبي من شارع القشاشية ، ويمر تحت منطقة الصفا ، ثم تحت رصيف الشارع الجديد ، ويبلغ عرض هذا المجرى خمسة أمتار وارتفاعه ما بين أربعة وستة أمتار ، والغاية منه تحويل مجرى السيل الذي طالما اخترق المسعى وتسبب في تسرب المياه من أبواب المسجد .

هدم عقد المروة :

يقول الكردي مؤرخًا هدم البناء الذي على المروة : « لما كانت التوسعة السعودية في المسجد الحرام في زماننا الحاضر ، فعند عمارة نفس المسعى ، وإزالة البناء الذي على الصفا والبناء الذي على المروة ، انكشفت الدرجات القديمة في مرتقى المروة ، والتي كانت مدفونة من قديم الزمان ، حيث ذكرها الفقهاء في جميع كتب الفقه . فلما ظهرت الدرجات المدفونة ، ذهبنا في اليوم التاسع من رمضان سنة (1376هـ) ست وسبعين وثلاثمائة وألف من الهجرة لمشاهدة هذه الدرجات القديمة المدفونة في المروة ، فوجدناها من الحجارة القوية المستعملة في مكة ، وعددها خمس عشرة درجة ، والعقد الذي بوجه المروة قائم على الدرجة العاشرة المدفونة ، وكان ارتفاع التراب والحصى الذي ردم به الدرجات القديمة ، التي دفنت تحته من متر ونصف متر إلى مترين ، كما أخذنا قياسه بأنفسنا ، فيفهم من هذا أن أرض المسعى قد ارتفعت منذ بناء الدرجات التي كانت موجودة في زمن ابن بطوطة إلى وقتنا الحاضر بمقدار مترين ».

ويقول عبد الملك بن دهيش في كتابه عن المسعى : « وفي عام 1376هـ حدث تصدع في عقد عند المروة ، وخشية من سقوطه على الساعين أصدر سمو ولي العهد الملك فيصل بن عبد العزيز – رحمه الله – أمرًا برقيًا ملكيًا برقم (10455) وتاريخ 17/9/1376هـ ونصه : ( بحث موضوع عقد المروة الذي ظهر به تصدع ، يقتضي اجتماع كل من الشيخ عبد الله بن دهيش ، والشيخ عبد الملك بن إبراهيم ، والسيد علوي مالكي ، لمشاهدة التصدع الحاصل واتخاذ قرار بذلك لإجراء اللازم على أساسه ) وقد اجتمعت تلك اللجنة بناء على هذا التوجيه في عصر يوم الخميس الموافق 18 رمضان عام 1376هـ حول العقد المتصدع عند المروة وشاهدوه ، وتوقعوا سقوطه متصدعًا سيما من ركنه الشرقي ، وفي وسطه تصدع يخشى سقوطه على الساعين لانهياره وقدمه ، مع الاحتفاظ بمحله ، فوجدت اللجنة أن بقاءه فيه ضرر على الساعين ، فقررت هدم هذا العقد المتصدع إزالة للضرر ، وللمصلحة ».

هدم عقد الصفا :

ويقول الكردي أيضًا مؤرخًا هدم البناء الذي على الصفا : « وقد باشروا في هدم عقد الصفا يوم الثلاثاء 24/10/1377هـ ، أما الدرجات القديمة جدًّا ، والتي كانت مدفونة منذ عصور عديدة ، فقد ظهرت عند حفر أرض الصفا ، وذلك في رجب سنة 1377هـ ، ثم إنهم في شوال من السنة المذكورة أخرجوا الدرجات القديمة ، وبنوا فوقها الدرجات الجديدة بالأسمنت، وقد عملوا درجات الصفا بالأسمنت في شهر شوال سنة 1377هـ ، وعدد الدرج الجديدة من اليمين (12) درجة ، وعدد الدرج من الشمال (11) درجة ، وكان مكتوبًا على عقد الصفا في سطر واحد : بسم الله الرحمن الرحيم ( إن الصفا والمروة من شعائر الله ، فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرًا فإن الله شاكر عليم) ، يفصل هذا السطر في الوسط كلمة لفظ الجلالة (الله) »( ) اهـ.

ومن الملاحظ هنا أنه قد أقيم في أول الأمر درجٌ جديد على الصفا وآخر على المروة للصعود والنزول منهما . وكان ذلك في المرحلة الأولى من المشروع وهي من عام 1377-1381هـ .

واستبدل هذا الدرج فيما بعد بمزلقان على الصفا ، وآخر على المروة للصعود والهبوط وبلطا برخام محفور مانع من الانزلاق .

البناء على المسعى :

جاء في تقرير وزارة المالية : « في اليوم الرابع من شهر ربيع الثاني عام 1375هـ ، حيث بدئ بإزالة المرافق القائمة في منطقتي أجياد والمسعى ، وهدمت الدور والدكاكين المحتاج إلى هدمها ، واستمر العمل على مراحل حتى بُني المسعى ، ذلك البناء الفخم الذي أدمج بالمسجد الحرام لأول مرة من الناحيتين الإنشائية والمعمارية .


المسعى بعد الانتهاء من بنائه ، والبدء في ترخيم واجهته الشرقية


ويعتبر المسعى أطول رواق من نوعه في العالم ، وهو مبني من دورين ، طوله 394م( ) وعرضه 20م ، وقد شيد بالخرسانة المسلحة على شكل بناء ذي هيكل خرساني ، وقد أسس هذه الهيكل في مقطع طولي على طبقة الوادي الرملية المتماسكة ، وأقسام هذا الهيكل القريبة من تلال الصفا والمروة مؤسسة على صخر ناري . وقد صممت الأساسات على أن تكون على شكل مسند ينبسط من الخرسانة المسلحة ، وفي الأيام العادية يستعمل الدور الأرضي فقط لتأدية السعي ، ولكن في موسم الحج يستعمل الدور الأول كذلك . ويبلغ ارتفاع المسعى 11.75م ومجموع أبوابه 16 بابًا. يوجد منها أحد عشر بابًا في الجانب الشرقي مواجهًا شارع القشاشية ، والخمسة الباقية في الجانب الغربي بعد باب السلام . وعلاوة على ذلك توجد سبع فتحات بين المسعى والمسجد القديم . والأبواب الخارجية تعلوها مظلات غطيت بألواح القرميد الأخضر النصف دائري . والرصيف في شارع القشاشية عادة على مستوى عال 293.5م من سطح البحر ، وينزل الإنسان على درج لكي يصل إلى الدور الأرضي للمسعى الذي يبلغ منسوبه عادة291.30م عن سطح البحر . وفي الدور الأرضي دِرْوة صغيرة بارتفاع 0.7م تقسم المسعى من منحدر الصفا إلى المروة . وقد جعل في هذه الدِّرْوة فتحات أمام المداخل حتى تسمح بالدخول أو الخروج من المسجد . وعلى جانبيه حواجز تجعل منه ممرًا مزدوجًا لمرور الكراسي المتحركة التي يستعملها كبار السن والمرضى من الساعين . وقد جهز المسعى بـ 228 شباكًا على جانبيه للتهوية، كما جهز بأجهزة تكييف صحراوية ومراوح ؛ لتجعل جو المسعى لطيفًا . وقد استعمل الرخام في تبليط الأرضيات ، وكسيت الجدران حتى مستوى الشبابيك . وفي المسعى 64 طاقًا (بورتال فريم) تفصل كل واحدة عن الأخرى مسافة خمسة أمتار ، والأعمدة التي تحملها قد غطيت بالرخام والحجر الصناعي . وقد بلطت منحدرات الصفا والمروة بترابيع رخام مقسم ؛ لكيلا ينزلق الحجاج أثناء السعي . وقد شيدت قبة سنجابية اللون فوق الصفا ، كما جعل سطح المروة على شكل هرمي ، وغطيت بألواح من القرميد نصف الدائري أخضر اللون .

وتعتبر إضافة دور علوي إلى الدور الأرضي فكرة طيبة استدعتها الضرورة ؛ لكي يمكن مواجهة الزيادة المطردة في عدد الحجاج ، والدور الأول كالدور الأرضي طوله 394م وعرضه 20م ، وارتفاع الدور الأول 8.5م ، ولكي يرى الحجاج الساعون في الدور الأول ربوتي الصفا والمروة جعل عند نهايته من جهة الصفا شرفة مستديرة ، وأخرى مستطيلة عند نهايته من جهة المروة ، وهناك سلّمان لكل منهما بسطات تؤدي إلى المسعى ، وهناك في نهاية المسعى عند المروة يوجد جسر يربطه بشارع القرارة في الشمال .


صورة للطابق الأول من المسعى بعد تشييده


وتبلغ مساحة كل من الدورين 16700م 2 . ويمكن في وقت الزحام استيعاب 15000 شخص للسعي .

وفي خلال موسم الحج فإن مجموع عدد الحجاج الذي يقومون بتأدية السعي في يوم واحد يبلغ 0.6 مليون . وهذا يعني أن حوالي 1.8 مليون حاج يمكنهم أن يؤدوا السعي خلال ثلاثة أيام الحج ».

وعندما تولى مقاليد الحكم الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود رحمه الله ، وفي عام 1406هـ أمر بتبليط سطح التوسعة السعودية الأولى بالرخام البارد المقاوم للحرارة ، وقد كان من قبلُ غير مهيأ للصلاة فيه ، فأحدث​​​​​​​